الفيض الكاشاني

111

أنوار الحكمة

كيف ، وإنّه ما وجب إلّا بالاختيار ، ولا شكّ أنّ القدرة والاختيار كسائر الأسباب - من الإدراك والعلم ، والإرادة ، والتفكّر ، والتخيّل ، وقواها وآلاتها - كلّها بفعل اللّه - تعالى - لا بفعلنا واختيارنا - وإلّا لتسلسلت القدرة والإرادات إلى غير النهاية . وذلك لأنّا وإن كنّا بحيث إن شئنا فعلنا ، وإن لم نشأ لم نفعل ؛ لكنّا لسنا بحيث إن شئنا شئنا ، وإن لم نشأ لم نشأ ، بل إذا شئنا « 1 » فلم يتعلّق مشيئتنا بمشيئتنا ، بل بمشيئة غيرنا ، فليست المشيئة إلينا ، إذ لو كانت إلينا لاحتجنا إلى مشيئة أخرى سابقة ، وتسلسل الأمر إلى غير النهاية . ومع قطع النظر عن استحالة التسلسل ، نقول : جملة مشيئاتنا الغير المتناهية - بحيث لا يشذّ عنها مشيئة - لا تخلو : إمّا أن يكون وقوعها بسبب أمر خارج عن مشيئتنا ، أو بسبب مشيئتنا ؛ والثاني باطل ، لعدم إمكان مشيئة أخرى خارجة عن تلك الجملة . والأوّل هو المطلوب . فقد ظهر أنّ مشيئتنا ليست تحت قدرتنا ، كما قال اللّه عزّ وجلّ : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ 76 / 30 ] . فإذن نحن في مشيئتنا مضطرّون ، وإنّما تحدث المشيئة عقيب الداعي ؛ وهو تصوّر الشيء الملائم - تصوّرا ظنّيّا أو تخيّليّا أو علميّا - فإنّا إذا أدركنا شيئا ، فإن وجدنا ملائمته أو منافرته لنا دفعة بالوهم أو ببديهة العقل ، انبعث منّا شوق إلى جذبه أو دفعه ، وتأكّد هذا الشوق هو العزم الجازم المسمّى ب « الإرادة » . وإذا انضمّت إلى القدرة التي هي مهيّئة للقوّة الفاعلة ، انبعثت تلك القوّة لتحريك الأعضاء الأدوية - من العضلات وغيرها - فيحصل الفعل . فإذن إذا تحقّق الداعي للفعل الذي تنبعث منه المشيئة ، تحقّقت المشيئة ؛ وإذا تحقّقت المشيئة التي تصرف القدرة إلى مقدورها ، انصرفت القدرة لا محالة ولم يكن لها سبيل إلى المخالفة . فالحركة لازمة ضرورة بالقدرة ، والقدرة محرّكة ضرورة عند انجزام المشيئة ،

--> ( 1 ) مل : بل إن شئنا .